الشيخ السبحاني

65

مفاهيم القرآن

إليهم وإلى غيرهم وقال : « يبَنِي إسرءِيلَ إِنِّي رسُولُ اللَّهِ إِليكُمْ مُّصَدِّقَاً لِمَا بَينَ يَديَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . . » ( الصف - 6 ) . فخصّ خطابه ورسالته ببني إسرائيل مع كونه رسول اللَّه إلى غيرهم أيضاً ولا ضير في ذلك لأنّ كونه رسولًا إليهم لا ينافي كونه رسولًا إلى غيرهم فإنّ اثبات الحكم لموضوع لا يلازم نفيه عن غيره . وقد ضارعه نبي الإسلام ، فهو مع كونه رسول اللَّه إلى الناس جميعاً ، ومع أنّه أمره اللَّه أن ينذر بقرآنه قومه وكلّ من بلغه كتابه في مشارق الأرض ومغاربها « 1 » أمره اللَّه سبحانه أن يقول : « لِتنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا » ( الأنعام - 92 ، الشورى - 7 ) فإنّ كونه مبعوثاً لانذار الامّة العربية القاطنة في عاصمتها مكة ومناطقها التابعة لها ، لا ينافي كونه مبعوثاً إلى غيرها أيضاً ومنذراً بكتابه سواها . وقد حذى الرسول حذو القرآن في خطاباته الشخصية في أندية الانذار والابلاغ ، فقال - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - حينما وفدت إلى داره عشيرته وأقربوه : « انّي رسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس عامّة » وهو في الوقت نفسه حينما صعد على الصفا خص قريشاً بالخطاب وقال : « يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار » . وقد وافيناكم بتلك الدرية في صدر البحث « 2 » . هذه سيرة الرسول وسيرة من قبله ، من اولي العزم من الرسل ، فهم يقتفون في توجيهاتهم ودعواتهم مقتضى الحال ، مراعين في ذلك شرائط البلاغة ، وإلقاء الكلام على وفق الحكمة ، فربّما دعت المصلحة إلى توجيه الكلام إلى مجتمع خاص ، كما أنّه ربّما اقتضت توجيهه إلى الناس عامة من دون أيتنافر وتناكر في التوجيهين . وإن شئت قلت : انّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بُعث إلى عشيرته والعرب والناس جميعاً على سبيل « تعدد المطلوب » كما قال : « يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار » وقال : « انّي رسول

--> ( 1 ) - الأنعام - 119 . ( 2 ) - أنظر ص 135 من كتابنا هذا .